فخر الدين الرازي

136

تفسير الرازي

وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) * . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المذكور في هذه الآية ليس بجواب لما سألا عنه فلا بد ههنا من بيان الوجه الذي لأجله عدل عن ذكر الجواب إلى هذا الكلام والعلماء ذكروا فيه وجوهاً : الأول : أنه لما كان جواب أحد السائلين أنه يصلب ، ولا شك أنه متى سمع ذلك عظم حزنه وتشتد نفرته عن سماع هذا الكلام ، فرأى أن الصلاح أن يقدم قبل ذلك ما يؤثر معه بعلمه وكلامه ، حتى إذا جاء بها من بعد ذلك خرج جوابه عن أن يكون بسبب تهمة وعداوة . الثاني : لعله عليه السلام أراد أن يبين أن درجته في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدوا فيه ، وذلك لأنهم طلبوا منه علم التعبير ، ولا شك أن هذا العلم مبني على الظن والتخمين ، فبين لهما أنه لا يمكنه الإخبار عن الغيوب على سبيل القطع واليقين مع عجز كل الخلق عنه ، وإذا كان الأمر كذلك فبأن يكون فائقاً على كل الناس في علم التعبير كان أولى ، فكان المقصود من ذكر تلك المقدمة تقرير كونه فائقاً في علم التعبير واصلاً فيه إلى ما لم يصل غيره ، والثالث : قال السدي : * ( لا يأتيكما طعام ترزقانه ) * في النوم بين ذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس بمقصور على شيء دون غيره ، ولذلك قال : * ( إلا نبأتكما بتأويله ) * الرابع : لعله عليه السلام لما علم أنهما اعتقدا فيه وقبلا قوله : فأورد عليهما ما دل على كونه رسولاً من عند الله تعالى ، فإن الاشتغال بإصلاح مهمات الدين أولى من الاشتغال بمهمات الدنيا ، والخامس : لعله عليه السلام لما علم أن ذلك الرجل سيصلب اجتهد في أن يدخله في الإسلام حتى لا يموت على الكفر ، ولا يستوجب العقاب الشديد * ( وليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) * ( الأنفال : 42 ) والسادس : قوله : * ( لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ) * محمول على اليقظة ، والمعنى : أنه لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا أخبرتكما أي طعام هو ، وأي لون هو ، وكم هو ، وكيف يكون عاقبته ؟ أي إذا أكله الإنسان فهو يفيد الصحة أو السقم ، وفيه وجه آخر ، قيل : كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً فأرسله إليه ، فقال يوسف لا يأتيكما طعام ألا أخبرتكما أن فيه سماً أم لا ، هذا هو المراد من قوله : * ( لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ) * وحاصله راجع إلى أنه ادعى الإخبار عن الغيب ، وهو يجري مجرى